/ الفَائِدَةُ : (11) /

12/05/2026



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ. [سِرُّ الِابْتِلَاءِ وَتَفَاضُلُ الرُّتَبِ: دِرَاسَةٌ فِي أَحْوَالِ بَعْضِ الأَنْبِيَاءِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)] [الغَايَةُ القُدْسِيَّةُ مِنْ مِحْنَةِ بَعْضِ الأَنْبِيَاءِ السَّالِفِينَ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)] [نُكْتَةُ التَّمْحِيصِ الإِلَهِيِّ وَأَثَرُهَا فِي مَرَاتِبِ أُولِي العَزْمِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)] إِنَّ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الأَبْحَاثِ السَّالِفَةِ يَكْشِفُ عَنْ "لَطِيفَةِ" وَغَايَةِ تَعَرُّضِ بَعْضِ الأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) لِلابْتِلَاءَاتِ المَنْصُوصِ عَلَيْهَا ؛ وَفِي طَلِيعَتِهِمْ نَبِيُّ اللهِ آدَمُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ؛ فإِنَّه لَمَّا عُرِضَتْ عَلَيْهِ بَعْضُ المَقَامَاتِ العَلِيَّةِ وَالشُّؤُونِ القُدْسِيَّةِ لِأَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) ، حَصَلَ مِنْهُ نَوْعُ "تَوَقُّفٍ" فِي سُرْعَةِ التَّلَقِّي ، فَاسْتَوْجَبَ ذَلِكَ ابْتِلَاءَهُ المَعْرُوفَ وَخُرُوجَهُ مِنَ الجَنَّةِ ، وَرَغْمَ صُدُورِ الصَّفْحِ الإِلَهِيِّ عَنْهُ بَعْدَ أَوْبَتِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ "التَّوَقُّفَ" كَانَ مَانِعاً مِنْ نَيْلِهِ رُتْبَةَ "أُولِي العَزْمِ" مِنَ المُرْسَلِينَ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ). وَهَكَذَا جَرَى مِيزَانُ الِاسْتِحْقَاقِ فِي شَأْنِ نَبِيِّ اللهِ أَيُّوبَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ؛ إِذِ ابْتُلِيَ بِالسَّقَمِ وَصُنُوفِ المِحَنِ إِلَى أَنْ ثَابَ إِلَى مَقَامِ الإِقْرَارِ النُّورَانِيِّ ، فَأَدْرَكَتْهُ نَفَحَاتُ السَّعَادَةِ ، وَشُمِلَ بِالفَرَجِ بَعْدَ تَوَسُّلِهِ بِأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ وَسَائِرِ أَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ). وَهَذَا مَا تُشِيرُ إِلَيْهِ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ الْمَعْرِفِيَّةُ ، مِنْهَا : 1ـ بَيَانُ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) ، مُنْضَمًّا إِلَيْهِ بَيَانُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) ، قَالَ : « إِنَّ اللهَ تَعَالَى عَرَضَ وِلَايَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَلَى أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ فَقَبِلُوهَا مَا خَلَا يُونُسَ بْنَ مَتَّى ، فَعَاقَبَهُ اللهُ وَحَبَسَهُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ؛ لِإِنْكَارِهِ وِلَايَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) حَتَّى قَبِلَهَا . قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ(1) : « فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ لِإِنْكَارِي وِلَايَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ : فَأَنْكَرْتُ الْحَدِيثَ فَعَرَضْتُهُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَدَنِيِّ فَقَالَ لِي : « لَا تَجْزَعْ مِنْهُ ؛ فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) خَطَبَ بِنَا بِالْكُوفَةِ ، فَحَمَدَ اللهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ : « فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُقِرِّينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ » . فَقَامَ إِلَيْهِ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؛ إِنَّا سَمِعْنَا اللهَ(2) : [فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ] . فَقَالَ : أُقْعُدْ يَا بَكَّارُ ؛ « فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُقِرِّينَ لَلَبِثَ ... إِلَى آخِرِ الْآيَةِ » (3)»(4). 2ـ بَيَانُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) ، مُخَاطِبًا سَلْمَانَ (رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ) : « ... يَا سَلْمَانُ ، أَنَا الَّذِي دُعِيَتِ الْأُمَمُ كُلُّهَا إِلَى طَاعَتِي فَكَفَرَتْ فَعُذِّبَتْ بِالنَّارِ ... . قَالَ سَلْمَانُ : ... وَأَنْتَ قِصَّةُ أَيُّوبَ وَسَبَبُ تَغَيُّرِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْهِ . فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) : أَتَدْرِي مَا قِصَّةُ أَيُّوبَ ، وَسَبَبُ تَغَيُّرِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : اللهُ أَعْلَمُ وَأَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ . قَالَ : لَمَّا كَانَ عِنْدَ الِانْبِعَاثِ لِلنُّطْقِ شَكَّ أَيُّوبُ فِي مُلْكِي ، فَقَالَ : هَذَا خَطْبٌ جَلِيلٌ وَأَمْرٌ جَسِيمٌ . قَالَ اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ) : يَا أَيُّوبُ أَتَشُكُّ فِي صُورَةٍ أَقَمْتُهَا أَنَا ؟ إِنِّي ابْتَلَيْتُ آدَمَ بِالْبَلَاءِ فَوَهَبْتُهُ لَهُ وَصَفَحْتُ عَنْهُ بِالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَنْتَ تَقُولُ : خَطْبٌ جَلِيلٌ ، وَأَمْرٌ جَسِيمٌ؟! فَوَعِزَّتِي لَأُذِيقَنَّكَ مِنْ عَذَابِي أَوْ تَتُوبَ إِلَيَّ بِالطَّاعَةِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ . ثُمَّ أَدْرَكَتْهُ السَّعَادَةُ بِي ؛ يَعْنِي : أَنَّهُ تَابَ وَأَذْعَنَ بِالطَّاعَةِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَعَلَى ذُرِّيَّتِهِ الطَّيِّبِينَ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)» (5). 3ـ بَيَانُ تَفْسِيرِ الْإِمَامِ الْبَاقِرِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) ، وَبَيَانُ نُكْتَةِ عَدَمِ جَعْلِ النَّبِيِّ آدَمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مِنْ أَنْبِيَاءِ أُولِي الْعَزْمِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) : « فِي قَوْلِ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ) : [وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا](6) قَالَ : عَهِدَ إِلَيْهِ فِي مُحَمَّدٍ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ فَتَرَكَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ فِيهِمْ أَنَّهُمْ هَكَذَا ... » (7). 4ـ بَيَانُ الْإِمَامِ الرِّضَا (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) : « ... وَإِنَّ آدَمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لَمَّا أَكْرَمَهُ اللهُ (تَعَالَى ذِكْرُهُ) بِإِسْجَادِ مَلَائِكَتِهِ لَهُ ، وَبِإِدْخَالِهِ الْجَنَّةَ قَالَ فِي نَفْسِهِ : هَلْ خَلَقَ اللهُ بَشَرًا أَفْضَلَ مِنِّي ؟ فَعَلِمَ اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ) مَا وَقَعَ فِي نَفْسِهِ ، فَنَادَاهُ : ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا آدَمُ ، فَانْظُرْ إِلَى سَاقِ عَرْشِي ، فَرَفَعَ آدَمُ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَى سَاقِ الْعَرْشِ فَوَجَدَ عَلَيْهِ مَكْتُوبًا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ، عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَزَوْجَتُهُ فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ، وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ . فَقَالَ آدَمُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) : يَا رَبِّ ، مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ فَقَالَ (عَزَّ وَجَلَّ) : مِنْ ذُرِّيَّتِكَ ، وَهُمْ خَيْرٌ مِنْكَ وَمِنْ جَمِيعِ خَلْقِي ، وَلَوْلَاهُمْ مَا خَلَقْتُكَ وَلَا خَلَقْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ ، وَلَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِمْ بِعَيْنِ الْحَسَدِ فَأُخْرِجَكَ عَنْ جِوَارِي . فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ بِعَيْنِ الْحَسَدِ ، وَتَمَنَّى مَنْزِلَتَهُمْ ، فَتَسَلَّطَ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ حَتَّى أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا ، وَتَسَلَّطَ عَلَى حَوَّاءَ ؛ لِنَظَرِهَا إِلَى فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلَامُ) بِعَيْنِ الْحَسَدِ حَتَّى أَكَلَتْ مِنَ الشَّجَرَةِ كَمَا أَكَلَ آدَمُ ، فَأَخْرَجَهُمَا اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ) عَنْ جَنَّتِهِ ، وَأَهْبَطَهُمَا عَنْ جِوَارِهِ إِلَى الْأَرْضِ » (8). وَدَلَالَةُ الْجَمِيعِ وَاضِحَةٌ ؛ فأَنَّ التَّفَاضُلَ وَالاسْتِجْفَاءَ فِي العَوَالِمِ العُلْوِيَّةِ مَرْهُونٌ بِالإِقْرَارِ لِأَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) بِمَقَامَاتِهِمُ الَّتِي خَصَّهُمُ اللهُ بِهَا ، وَأَنَّ أَيَّ نَوْعٍ مِنَ التَّطَلُّعِ لِمَرَاتِبِهِمُ الخَاصَّةِ ـ مِمَّا عُبِّرَ عَنْهُ بِالحَسَدِ المَقَامِيِّ ـ يَكُونُ سَبَباً فِي تَبَدُّلِ الأَحْوَالِ وَالهُبُوطِ عَنْ مَرَاتِبِ القُرْبِ . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الْأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أَبُو يَعْقُوبَ ـ هَذَا ـ وَأَبُو عَبْدِ اللهِ الْآتِي ذِكْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ رُوَاةِ وَإِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ. (2) فِي الْمَصْدَرِ : (إِنَّا سَمِعْنَا اللهَ يَقُولُ). (3) الصَّافَّات : 143. (4) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 26 : 333 ـ 334/ح16. تَفْسِيرُ فُرَاتٍ الْكُوفِيِّ : 94. (5) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 26 : 292 ـ 293/ح52. كَنْزُ جَامِعِ الْفَوَائِدِ : 264 ـ 265 . وَفِيهِ : (أَنَّهُ تَابَ إِلَى اللهِ). (6) طه : 115. (7) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 11 : 35/ح31. عِلَلُ الشَّرَائِعِ : 52. (8) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 26 : 273/ح15. عُيُونُ الْأَخْبَارِ : 170